مؤيد الدين الجندي

364

شرح فصوص الحكم

وجود الحق هو الأصل الواجب - وهو الفرض - ووجود العالم - وهو العبد - نقل وفرع عليه ، لأنّ الوجود الحق لكمال سعته وسع الحق المطلق ، والخلق المقيّد ، فإذا ظهر الحق ، خفي العبد فيه ، كان الله ولا شيء معه أوّلا * ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه ِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) * « 1 » آخرا ، فكان العبد سمع الحق وبصره وسائر قواه ، كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - « إنّ الله قال على لسان عبده : سمع الله لمن حمده . هذه يد الله ، واليد يد محمّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكذلك هو الرامي حقيقة في * ( إِذْ رَمَيْتَ ) * ، فيده يد الحق والحق هو الرامي ، لنفيه الرمي عن محمّد في قوله : * ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ) * ، وإثباته الرمي للحق بقوله : * ( وَلكِنَّ الله رَمى ) * « 2 » . والثاني قرب النوافل ، فهو كون الحق بوجوده محمولا في إنّيّة العبد وهويّته له فهو سمع العبد وبصره ولسانه وسائر قواه ، والحديث الثابت في الصحيح المثبت سرّ المقامين قد ذكر فيما ذكر ، فتذكَّر . قال - رضي الله عنه - : « ثم إنّ الذات لو تعرّت عن هذه النسب ، لم تكن إلها . وهذه النسب أحدثتها أعياننا ، فنحن جعلناه بألوهيّتنا « 3 » إلها ، فلا يعرف حتى نعرف » . يعني - رضي الله عنه - : أنّ تحقّق أحد المتضايفين يتوقّف على الآخر بالضرورة فالإلهية والربوبية والخالقية لا تتحقّق إلَّا بالمألوه والمربوب والمخلوق وجودا وتقديرا ، فلا يعرف الله من كونه إلها ، حتى يعرف المألوه . قال - رضي الله عنه - : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » وهو أعلم الخلق بالله . فإنّ بعض الحكماء « 4 » وأبا حامد ادّعوا أنّه يعرف الله من غير نظر إلى العالم ، وهذا غلط . نعم ، تعرف « 5 » ذات قديمة أزليّة لا يعرف إنّها إله ، حتى يعرف المألوه ، فهو الدليل عليه » .

--> « 1 » المؤمن ( 40 ) الآية 16 . « 2 » الأنفال ( 8 ) الآية 17 . « 3 » في بعض النسخ : بمألوهيّتنا . « 4 » في بعض النسخ : فإنّ أبا حامد ادّعى . « 5 » في بعض النسخ : تعرف ذاتا قديمة .